الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
325
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بملك غيره في الأرض إذ هو ملك ناقص فإن الملوك مفتقرون إلى من يدفع عنهم العوادي بالأحلاف والجند ، وإلى من يدبر لهم نظام المملكة من وزراء وقواد ، وإلى أخذ الجباية والجزية ونحو ذلك ، أو هو قصر حقيقي ، إذا اعتبرت إضافة مُلْكُ إلى مجموع السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فإنه لا ملك لمالك على الأرض كلها بله السماوات معها . وهذا معنى صفته تعالى « الملك » ، وتقدم في آخر سورة آل عمران . وجملة يُحْيِي وَيُمِيتُ بدل اشتمال من مضمون لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فإن الإحياء والإماتة ممّا يشتمل عليه معنى ملك السماوات والأرض لأنهما من أحوال ما عليهما ، وتخصيص هذين بالذكر للاهتمام بهما لدلالتهما على دقيق الحكمة في التصرف في السماء والأرض ولظهور أن هاذين الفعلين لا يستطيع المخلوق ادعاء أن له عملا فيهما ، وللتذكير بدليل إمكان البعث الذي جحده المشركون ، وللتعريض بإبطال زعمهم إلهية أصنامهم كما قال تعالى : وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً [ الفرقان : 3 ] ، ومن هذين الفعلين جاء وصفه تعالى بصفة « المحيي المميت » . وتقدم ذكر الإحياء والإماتة عند قوله تعالى : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ في أول سورة البقرة [ 28 ] . وجملة وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تفيد مفاد التذييل لجملة يُحْيِي وَيُمِيتُ لتعميم ما دل عليه قوله : يُحْيِي وَيُمِيتُ من بيان جملة لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وإنما عطفت بالواو وكان حق التذييل أن يكون مفصولا لقصد إيثار الإخبار عن اللّه تعالى بعموم القدرة على كل موجود ، وذلك لا يفيت قصد التذييل ، لأن التذييل يحصل بالمعنى . [ 3 ] [ سورة الحديد ( 57 ) : آية 3 ] هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 3 ) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ . استئناف في سياق تبيين أن له ملك السماوات والأرض ، بأن ملكه دائم في عموم الأزمان وتصرف فيهما في كل الأحوال ، إذ هو الأول الأزلي ، وأنه مستمر من قبل وجود كل محدث ومن بعد فنائه إذ اللّه هو الباقي بعد فناء ما في السماوات والأرض ، وذلك يظهر من دلالة الآثار على المؤثر فإن دلائل تصرفه ظاهرة للمتبصر بالعقل وهو معنى الظَّاهِرُ كما يأتي ، وأن كيفيات تصرفاته محجوبة عن الحس وذلك معنى الْباطِنُ تعالى كما سيأتي .